بعد مرور سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيد في 25 جويلية 2021، ما يزال تقييم هذا المسار السياسي محل جدل واسع في تونس. وفي حوار له على إذاعة SON FM، قدم السياسي والمحامي محمد عبو قراءة نقدية حادة للمشهد السياسي الراهن، معتبراً أن المشروع السياسي الذي يقوده قيس سعيّد قد وصل إلى طريق مسدود، وأن تجاوز الأزمة يمرّ، في نظره، عبر توحيد جهود المعارضة والمطالبة برحيل الرئيس.
مشروع سياسي فقد، حسب عبو، قدرته على الإصلاح :
يرى محمد عبو أن تونس تعيش منذ سنوات حالة من "الصدمة السياسية التي طالت"، معتبراً أن جزءاً من التونسيين الذين ساندوا إجراءات 25 جويلية كانوا ينتظرون إمكانية حدوث إصلاحات، لكن هذا الأمل تراجع تدريجياً.
وحسب عبو، فإن مسؤولية هذا المسار تعود أساساً إلى رئيس الجمهورية باعتباره صاحب المشروع الوحيد، حيث قال إن المشروع "فشل" ولم يعد يمتلك دعماً شعبياً واسعاً، معتبراً أن ما تبقى من المساندة يرتبط أساساً ببعض المستفيدين أو بما وصفه بـ"الحسابات الوهمية".
ويرى محمد عبو أن سعيّد يعيش حالة من «الإنكار» تمنعه من الاعتراف بوجود خلل في مشروعه، وأنه لم يعد قادرًا على التراجع أو استعادة الثقة، سواء داخل الإدارة أو لدى خصومه السياسيين.
وفي هذا السياق، يصف عبو الوضع القائم بأنه يتجاوز مفهوم الاستبداد التقليدي إلى ما يسميه «العبث». فالمشكلة، وفق قراءته، ليست فقط في تركّز السلطة أو القمع، وإنما في غياب القدرة على إدارة الدولة واتخاذ القرار بصورة عقلانية، إذ يرى أن الوضع الحالي يحمل درجة أكبر من الاضطراب وغياب المنطق المؤسسي.
كما يرى في هذا الصدد أن السلطة أحدثت تحوّلًا عميقًا في شخصية قيس سعيّد. فالرجل الذي يصفه عبو بأنه كان، قبل توليه السلطة، حساسًا ومتأثرًا بما يقال عنه، أصبح الأن، وفق قراءته، أكثر طغيانًا واستبدادًا.
المساجين السياسيون: أوضاع صعبة وقضاء تحت التعليمات :
وفيما يخص المساجين السياسيين، وهو الملف الذي يعتبره عبو أولوية لا يمكن تأجيلها، في ظل ما وصفه بتردي أوضاعهم الصحية والإنسانية ووجود حالات صعبة جدًا داخل السجون. فد أشار إلى وجود سجين لم يسمّه، قال إن وضعه الصحي صعب جدا إلى درجة قد تهدد حياته في وقت قريب، منتقدًا ما اعتبره ضعفًا في تقدير المخاطر والتعامل مع الحالات الصحية للسجناء.
كما شكك عبو في الأسس التي قامت عليها نسبة من هذه الإيقافات، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من المساجين السياسيين مرّوا، حسب قوله، أمام «قضاة غير محترمين»، وأن عددًا منهم يواجهون قضايا لا تبدو، في تقديره، مرتبطة بجرائم فساد واضحة، وإنما بملفات ذات طابع سياسي أو مرتبطة بحرية التعبير، إلى جانب ما وصفه بـ«التعليمات». ويرى أن غياب استقلال القضاء يجعل ضمان محاكمة عادلة أمرًا بالغ الصعوبة، مؤكدًا أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود أخطاء قضائية، بل بمنظومة كاملة من الخوف والضغط تؤثر في قرارات القضاة.
قضية أنستالينغو ومسألة الحسابات الوهمية :
وتطرق محمد عبو إلى قضية «أنستالينغو»، التي شملت 41 متهماً من سياسيين، وأمنيين، وصحفيين، وغيرهم. ولم ينفِ عبو وجود وقائع فساد وانتهاكات حقيقية في القضية، لكنه اعتبر أن عدداً من المتهمين تعرضوا للظلم، مستشهداً برياض بالطيب الذي يرى أنه أوقف في قضية لا تستند إلى أساس يبرر استمرار سجنه. كما أشار إلى وجود نقص في المعلومات والتفاصيل المتعلقة بقضية الحال.
وربط عبو بشكل مباشر بين قضية «أنستالينغو» وما يحدث اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي دعماً للسلطة. فبحسب قراءته، لم تعد الحسابات المؤيدة للرئيس مجرد مبادرات فردية أو تطوعية بسيطة، بل أصبحت، على حد تعبيره، نشاطاً منظماً يهدف إلى التشويه ونشر المعلومات المضللة وتوجيه الرأي العام. في تنويه منه إلى أن هذه الحسابات يمكن أن تكون من عمل شركة خاصة.
المعارضة الغائبة.. وتوحيد المطلب نحو الرحيل :
لم يوجه محمد عبو انتقاده إلى المعارضة ككل، بل إلى فئة محددة منها، يرى أنها اختارت التردد أو الانتظار، وساهمت في إضعاف أي تحرك جدي، سواء خوفاً من السلطة أو حفاظاً على حساباتها السياسية. وبالمقابل، شدد على أن تونس تفتقد اليوم إلى معارضة جدية قادرة على المطالبة بالتغيير بوضوح.
أما الحل الذي يراه عبو للخروج من الأزمة السياسية، فلا يقوم على توحيد مختلف التيارات السياسية أو إنهاء خلافاتها، وإنما على توحيد موقفها حول مطلب واحد: رحيل قيس سعيد.
ويعتبر عبو أن توحيد الجهود حول هذا المطلب لن يخدم البلاد فقط، بل يمثل أيضاً «فرصة لإنقاذ أنفسهم» من خلال استعادة ثقة التونسيين وإثبات قدرتهم على تحمل المسؤولية في هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، لا يرى محمد عبو جدوى في مواصلة التفاوض مع رئيس الجمهورية، معتبراً أنه «لا يسمع لأحد»، وأن الضغط السياسي والشعبي هو السبيل الأكثر واقعية لدفعه إلى الرحيل.
كما تطرق إلى عدد من المبادرات المطروحة في الساحة، وأشاد خصوصاً بمبادرة الـ 11 سجيناً، التي تطرح التحرك من أجل قضية المساجين السياسيين. واستحضر كذلك مبادرة سابقة كان قد طرحها بنفسه، عريضة أُطلقت في أفريل 2025 بمشاركة منه وعدد من الشخصيات السياسية، ودعت إلى التنحي الفوري لرئيس الجمهورية، لكنها لم تحظَ بالتبني المطلوب. وفسّر رفضها، في قراءته، بأنه تعلات لعدم الفعل وانتظار «حل سماوي» .
ويرى عبو أن توحيد هذا المطلب بين مختلف الأطراف يمكن أن يخلق رأياً عاماً وزخماً شعبياً، يتطور إلى تحركات سلمية وقانونية، بما قد يفتح الطريق أمام تغيير سياسي في البلاد.
زياد الهاني: وضع صحي مقلق وملفان محل جدل :
وفي ختام اللقاء، تطرق محمد عبو إلى ملف الصحفي زياد الهاني، متوقفاً أولاً عند وضعه الصحي، وفي هذا الصدد تحدث باقتضاب وتكتم عن الوضع الصحي لمنوبه، موضحاً أن المحامين مُنعوا منذ بداية القضية من الحديث عن حالته الصحية بناءً على رغبته. واكتفى بالإشارة إلى أن وضع زياد الهاني ليس مطمئناً، خاصة مع معاناته من ارتفاع ضغط الدم، إلى جانب تأثير ظروف السجن وسوء المعاملة على حالته الصحية.
أما قانونياً، فتحدث عبو عن قضيتين تتعلقان بالهاني. الأولى مرتبطة بتصريحاته حول قضية الصحفي خليفة القاسمي، الذي صدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يتبين لاحقاً غياب أحد أركان الجريمة، وفق ما عرضه عبو. واعتبر أن إيقاف الهاني في هذه القضية يندرج ضمن التضييق على حرية التعبير.
أما القضية الثانية، فتتعلق بملف عقاري في قرطاج يعود إلى عقد قديم، ارتبط بتسوية عقارية خلال فترة عضوية الهاني في النيابة الخصوصية لبلدية قرطاج. ويؤكد عبو أنه لا توجد في الملف، بحسب اطلاعه، أدلة تثبت موافقة الهاني على التسوية محل التتبع، وبالتالي لا يرى مبرراً لإيقافه